الرئيسية / قصص الشهداء / سلسلة الشهيد محمد الفقيه (2)

سلسلة الشهيد محمد الفقيه (2)

 

“رضاك يما والشهادتين ”

محمد منذ  نعومة أظفاره لم يكن كأي طفل، كان يحب الجهاد، يذهب ليلقي بالحجارة على الجيش الإسرائيلي، ويطارد الجيش، تأثر محمد عندما كان عمره أربعة عشر عاما باستشهاد ابن عمه أحمد الذي اقتحم مغتصبة “عتنائيل” قبل 14 عاما قتل هو ومقاوم آخر ثمانية مستوطنين .

وفي ذات يوم، عند حاجز حوارة، أوقفه جيش الاحتلال وأخبره ضابط منهم :

.. “أنت على قائمة الاغتيالات”، كان محمد وهو على مشارف عامه الدراسي الثاني مستغربا: “وأنا إيش سويت ؟!”، كانت التهمة أنه يشكل نقطة تواصل بين جنوب الضفة وشمالها في حركة الجهاد الإسلامي .

أخذوه إلى السجن وبقي 83 يوما في زنازين العزل الانفرادية، لأنه لم يعترف بأي شيء      قُدم عليه بلاغ يفيد بأنه ناشط  في الجهاد الاسلامي,  تلك الاعترافات أغضبت محمد، فكان لا يحب من يعترف من لحظات الاستجواب الأولى.

ذهبت والدته لزيارته وهو في السجن مندهشة من ابنها “يما محمد كل هاد بيطلع منك؟!! ” ،رد عليها محمد والثقة تملأ عيناه وصوته “ارفعي راسك يما.. فلسطين بدها شجاعة وصبر وثبات جعلنا الله من جنودها”

كان أبو حسين والد محمد مريضا، عاش بجواره لمدة عام حتى توفي والده، كان حزينا وقال مش لازم تبكي الرجال ولكن بدي أبكي على أبي، كان الوجع يخيم على كلامه .. “طلعت من السجن عشان أحس بسند الي ..أبوي كسر ظهري ”

“”كنت مرتاحا ومع رجال “.هذا ما كان يخبر به محمد والدته عن حياته في السجن، ما زال كلامه يجول في ذاكرة “أم حسين في آخر شهر له بينهم . أكنّ لأمه حبا كبيرا، فكل يوم يتصل للاطمئنان أكثر من خمس مرات، تقول: إن عاد من العمل مرهقا ومتأخرا حتى إذا كانت الساعة الثامنة مساءً كان يأتي لزيارتي يوميا .

وفي آخر أيام له بين أهله أي قبل تنفيذ عملية “عنتائيل” باربعة ايام ، مكث عند أمه  بعد أن أرسل زوجته لبيت أهلها، وقتها جاء مديره في العمل وسأل عنه، قالت أم حسين (والدة محمد) ابني في العمل ، لكنه نفى ذلك ….لا محمد لم يأتِ للعمل ، حينها اتصلت أمه به فأخبرها أنه سيذهب لإحضار زوجته، انتهى الاتصال، ومر الوقت اتصلت به أمه مرة أخرى فإذا بالهاتف مغلق، انشغل قلبها عليه فاتصلت بزوجته هديل لكنها تفاجأت أنه ليس عندها .

هنا استرجعت أمه ما سمعته عندما كان محمد يناجي ربه في أيامه الأخيرة التي أفطر فيها عندها وهو يردد.. “يا رب.. آخرعمري طال أو قصر مقبل لا مدبر ”

محمد ايش اللي بتحكيه..طيب ومرتك وابنك “.”

“يما يا حبيبتي .. ربنا وكيل في الكل، ما بسيب حدا الكل بيتمناها وهيهات اللي بيحصل عليها ”

نفذ محمد عمليته باطلاق نار على مركبة صهيونية  قرب مغتصبة”عتنائيل” اليهودية المقامة على أراضي بلدة “السموع”،جنوب مدينة الخليل ،في الأول من تموز الماضي ،قتل خلالها مستوطناً وهو “ميخائيل مارك”حاخام كبير ومدير معهد ديني بمستوطنة عنتائيل  ،وأصيبت زوجته بجراح خطيرة .

وفي مساء اليوم التالي للعملية ، اقتحمت قوة من الجيش الإحتلال  بيت والدته تفتش وتهدد ..”ابنك قاتل .. راح تدفعي الثمن غاليا”، ومن هنا بدأت المطاردة لمحمد استمرت 25 يوما، وتفتيش البيت والاقتحام الذي تكرر 12 مرة، لم تتوقف تلك الاعتداءات بل قاموا باعتقال إحدى شقيقاته”تغريد” عمرها 44 عام ،،وما زالت إلى اليوم معتقلة .

وظل الاتصال منقطعاً عن أهله طوال أيام مطارته لم يزرهم أو يحدثهم مطلقا لا أمه ولا زوجته، كان مستأجرا بيتا في بلدة صوريف، وهكذا أمضت العائلة فترة المطاردة بلا نوم أو استقرار .

في تمام الحادية عشرة مساء ليلة السابع والعشرين من تموز 2016م ، بدأ محمد بالاشتباك وخوض معركته الأخيرة مع الجيش الإحتلال منفردا، وتحديداً في منزل والدته، كانت العائلة تتابع الأخبار، فيما هرعت الأم تبتهل إلى الله بالدعاء والصلاة وهي تردد..”اللهم أمده بجنود من عندك، هو جندي من جنودك، أمده بالقوة والثبات.. اللهم زلزل أقدام اليهود وأعمي أعينهم عنه” بقيت هكذا طوال الليل..، وقالت للجميع: “محمد بحاجة أكون معاه في شدته”

وفي ساحة المعركة واجه محمد منفردا عشرات الآليات، كان يطلق النار عليهم، ثم يعود ويقرأ القرآن، ويصلي وعندما يقبلون عليه يطلق النار من جديد، كان يصرخ الله أكبر كانت الديوك تصيح كثيرا عندما يكبر، ما زالت تذكر والدة محمد  تفاصيل المعركة حسب ما اخبرها الشهود.. “كان آخر كلامه رضاكِ يمّا، والشهادتين “، بعدها انقطع الصوت وارتقت روحه الطاهرة، كان متبسما، يرفع يده، قالوا إنهم وجدوا حجراً صغيراً كُتب عليه بدمائه “الله”

فيما رائحة المسك تخرج من جسده، ويشمها من في الوادي .

ولا تنسى أمه ما قاله لها صحفي جاءها وقال لها سأعطيك أمانة.. فهو التقط صورا لشهداء كثر، ولكن لم يشم من قبل رائحة مسك كالتي خرجت من محمد وفق قوله، يقول: “كانت سورة الروم تصدح بجواره سجادة الصلاة، ووضع أهل القرية ذلك الحجر بمتحفٍ في البلدة، وأطلق اسم محمد على الطريق الذي حدث فيه الاشتباك ”

مازال ذلك الصحفي يخفف عنها.. الكل يفتخر بمحمد، فالجيوش العربية؛ لم تتحمل ست ساعات لكنه واجه الجيش الصهيوني  سبع ساعات، استدرجهم باستخدام الدائرة الكهربائية التي تحكم بها عن بعد .

تقول والدته “أم حسين” بصبر وجلد كبيرين” إنّ شعب فلسطين مكتوب عليه الجهاد والرباط في أرضه إلى يوم الدين، وبالتالي فإنّ نجلها لن يكون الأوّل ولا الأخير في خضمّ هذه المعركة المتواصلة” .

وتلفت إلى أنّها قدمت نجلها في سبيل الله، متمنية أن يكون من الشّافعين لها ولبقية أفراد عائلتها في الآخرة، مشددة على أنّه نال ما طمح إليه وتمنّاه منذ سنوات طويلة، وترى شهادته “كرما من الله لنجلها واختيارا إلى جواره .

#فلسطين_ذاكرة_الشهداء

شاهد أيضاً

الذكرى الأولى لاستشهاد ماهر زعاترة

لحظاتٌ أخيرة سبقت استشهاده، تحدّث مع أبنائه، قبّلهم، ودّعهم وغادر ولم يعد إلى منزله حتى اللحظة، …

الشهيد الرفيق عمر النايف في الذكرى الخامسة لاغتيال عمر النايف

ولد ١/١/١٩٦٣ الرفيق عمر النايف في بلدة اليامون غرب مدينة جنين شمال الضفة الغربية المحتلة …

الذكرى الأولى لاستشهاد محمد علي حسن الناعم

 إنهم رجال الله الذين لم يفكروا بحياة الرفاهية والمناصب الزائفة، ولم يلتفتوا لهذه الحياة الفانية …