شهداء فلسطين

ذكرى استشهاد القائد صلاح شحادة – مؤسس الجهاز العسكري الأول لـ “حماس”

المولد والنشأة:

ولد القائد صلاح الدين شحادة في 24 شباط/ فبراير 1952 بمخيم الشاطئ للاجئين، في عائلة هُجِّرت من مدينة يافا -بعد

احتلالها عام 1948- إلى قطاع غزة.

درس في بيت حانون المرحلة الإعدادية، ونال شهادة الثانوية العامة بتفوق من مدرسة فلسطين في غزة.

كما التحق بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية في الإسكندرية، وفي السنة الثالثة بدأ التزامه بالإسلام يأخذ طابعاً أوضح.

حصل على المؤهل الجامعي بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية من جمهورية مصر العربية، ولم تسمح له ظروفه

المادية بالسفر إلى الخارج لإكمال دراسته العليا، وكان حصل على قبول لدراسة الطب والهندسة في جامعات تركيا

وروسيا.

عمل باحثاً اجتماعياً في مدينة العريش في صحراء سيناء، وعيّن لاحقاً مفتشاً للشؤون الاجتماعية في العريش، تزوج عام

1976، وعند استشهاده كان لديه ستة بنات (ولدت الأخيرة منهن أثناء اعتقاله).

بعد أن استعادت مصر مدينة العريش من العدو الصهيوني الغاصب عام 1979 انتقل القائد صلاح شحادة للإقامة في

بيت حانون، واستلم في غزة منصب مفتش الشؤون الاجتماعية لقطاع غزة.

في بداية عام 1982 استقال من عمله في الشؤون الاجتماعية، وانتقل للعمل في دائرة شؤون الطلاب بالجامعة

الإسلامية في مدينة غزة.

شخصيته القيادية:

تميز القائد صلاح شحادة بشخصية فذة تمثل حقاً شخصية القائد المسلم الذي لا يعرف النكوص ولا الملل ولا التراجع،

يجمع المجاهدين بإصرار وعمل دؤوب.

كان شعلة من النشاط وعقلا مدبراً مخططاً يلجأ إليه الجميع عند الكروب والشدائد، ويلوذ به جنوده الأوفياء عند طلب

النصح والمشورة والحكمة، كما تميز بالشخصية العسكرية الحكيمة التي تستطيع التدبير والموازنة بين الخيارات واتخاذ

القرارات المناسبة.

في ميدان الجهاد:

يعتبر القائد صلاح شحادة مؤسس الجهاز العسكري الأول لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” والذي عرف باسم

“المجاهدون الفلسطينيون”، ووجهت لهم تهم تشكيل خلايا عسكرية وتدريب أفرادها على استعمال السلاح، كما وإصدار

أوامر بشن هجمات ضد أهداف عسكرية صهيونية.

بعد اعتقاله الأول، وبعد أن خرج من السجن الذي قضى فيه الأحكام الظالمة التي صدرت بحقه والتي تعدت العشر

سنوات؛ كان الشيخ صلاح أكثر مقاومة وصلابة وأكثر عزة، وخرج من المعتقل وهو يضع نصب عينيه أن يذيق الصهاينة

ويلات المجاهدين، ويجعلهم يدفعون ثمن جرائمهم غالياً، وهكذا لم يضع وقتاً طويلاً بعد الإفراج عنه حتى عاد إلى قيادة

كتائب القسام؛ ليطور عملياته وإمكانياته، وليختفي عن الأنظار، ويصبح المطلوب الأول لجيش الاحتلال الصهيوني خلال

انتفاضة الأقصى.

بقيادته أوجع الصهاينة من خلال عمليات القسام الاستشهادية والعسكرية، وصواريخ القسام التي تم تصنيعها

وتطويرها بجهود ذاتية وإمكانيات متواضعة؛ والتي أوقعت جنود العدو وقطعان مستوطنيه مئات من القتلى والآلاف

من الجرحى.

لاحقته استخبارات العدو لتصفيته بعد أن أقض مضاجعهم ونكّل بهم، لكنه نجا في مرات كثيرة من شرورهم ومكرهم،

إلى درجة أن الإرهابي شارون كان يخطط لاجتياح قطاع غزة كما اجتاح الضفة الغربية لعله يعتقل أو يغتال الشيخ صلاح

شحادة كأحد أهم أهداف الاجتياح (كما صرح الصهاينة بذلك).

تمكن المجاهد أبو مصطفى بعون الله من إعادة بناء الجهاز العسكري لحركة حماس مع مطلع سنة 2000م، والذي دمرته

السلطة الفلسطينية عام 1996 وما بعدها وفق اتفاقية “أوسلو” الهَدَّامة.

صبر على الابتلاء:

تعرَّض القائد صلاح شحادة لأقسى أصناف التعذيب الجسدي والنفسي خلال فترة اعتقاله، وذكر أن المحققين الصهاينة

“نتفوا لحيته شعرة شعرة” حتى شك أن تنبت له لحية بعد ذلك، ناهيك عن أساليب الشبح والضرب المبرح خلال جولات

التحقيق التي لا تنتهي.

قضى الشيخ شحادة سنوات سجنه صابراً محتسباً رغم كل الظروف القاسية التي أحاطت به، ورغم فترات طويلة من

سجنه الانفرادي في زنزانة ضيقة، كما شغل نفسه بحفظ القرآن الكريم وتلاوته، والقيام وذكر الله والتضرع إليه سبحانه،

فكان السجن عند أبي مصطفى خلوة مع الله، وتطهيراً للنفس وتزكية للفؤاد، بالإضافة لذلك كان السجن فرصة له

للتفكير العميق والتخطيط الدقيق؛ لابتكار أساليب جديدة في العمل العسكري المقاوم.

كما كان أباً حنوناً للمعتقلين من كل التنظيمات الفلسطينية، يعينهم على الصبر والمصابرة، ويشغل أوقات فراغهم

بالنافع المفيد من حفظ للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وسيرة سيد الأنام الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)،

وتاريخ الإسلام العظيم ورجاله الأفذاذ، وحب فلسطين وواجب الجهاد لتحريرها، إلى جانب تسليتهم وتقوية أجسادهم

بفنون الرياضة المختلفة؛ ومنها المصارعة اليابانية التي كان يجيدها.

تجربته في سجون الاحتلال:

اعتقلته سلطات الاحتلال عام 1984 للاشتباه بنشاطه المعادي للاحتلال، غير أنه لم يعترف بشيء ولم يستطع الاحتلال

الصهيوني إثبات أي تهمة ضده، لكنهم أصدروا ضده لائحة اتهام حسب قانون الطوارئ لسنة 1949، وهكذا قضى في

المعتقل عامين.

بعد خروجه من المعتقل شغل منصب مدير شؤون الطلبة في الجامعة الإسلامية إلى أن قررت سلطات الاحتلال إغلاق

الجامعة؛ في محاولة لوقف الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت عام 1987، غير أن القائد صلاح شحادة واصل العمل

في الجامعة حتى اعتقل في 18 آب/ أغسطس 1988 واستمر التحقيق حتى 26 حزيران/ يونيو 1989 في سجن السرايا،

ثم انتقل من زنازين التحقيق إلى غرف الأسرى.

وبعدها بفترة أعيد إلى زنازين التحقيق بعدما تم الاعتراف عليه بمسؤولية الجهاز العسكري لحركة “حماس”، واستمر

التحقيق معه لمدة 200 يوم، ومنع من استقبال الزيارات العائلية، وبذلك بلغ مجمل التحقيق معه حوالي عام كامل،

وكانت التهم الموجهة إليه (المسؤولية عن الجهاز العسكري لـ “حماس”، وإصدار أوامر باختطاف الجنديين “سبورتس،

وسعدون”، ومسؤولية “حماس” والجهاز الإعلامي في شمال قطاع غزة)، وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات على

تهمة مسؤولية “حماس” والجهاز الإعلامي في المنطقة الشمالية، أضيفت إليها ستة أشهر بدل غرامة رفض الشيخ

المجاهد أن يدفعها للاحتلال.

قهره لسجانيه:

من مواقفه البطولية التي تنم عن روح التحدي والإصرار موقفه من زيارة له في السجن؛ من قِبَل الإرهابي الصهيوني

اللواء إسحاق مردخاي – قائد المنطقة الجنوبية التي تضم قطاع غزة والنقب في جيش الاحتلال الصهيوني عام 1988م،

والذي شغل فيما بعد منصب وزير الحرب الصهيوني، فقد جيء بالقائد صلاح شحادة إلى مكتب مدير السجن وهو مقيد

اليدين والرجلين، فأبى الشيخ أن يتحدث مع مردخاي حتى يتم فك قيوده، فاستدعى الجبان مردخاي الجنود لحمايته من

الشيخ الأسير، ثم أمر بفك قيوده، وسأله عن مكان جثث العسكريين الصهاينة، فأنكر الشيخ صلاح -صادقاً- معرفته أو

معرفة أحد من إخوانه السجناء بالمكان، فقال له  الإرهابي مردخاي: “يا جنرال صلاح إنّ جنودك جبناء يكذبون”، فقال له

المجاهد صلاح: “اعلم أيها الجنرال أن رجالي مؤمنون وشجعان لا يعرفون الكذب ولا يجبنون، لقد اختطفوا جنودك وهم

مدججون بالسلاح، بينما يقتل جنودك الأطفال والنساء والشيوخ والشباب العزل، وقد بالوا على أنفسهم عندما تمّ

اختطافهم، وقبّلوا أقدام المجاهدين لإطلاق سراحهم، وكانوا يصرخون ويبكون كالنساء ويستنجدون بأمهاتهم”، عندها خرج

المجرم مردخاي من الغرفة وهو يجر أذيال الخيبة والخزي من رد الشيخ صلاح الحاد كالسيف.

خرج القائد صلاح شحادة من السجن يحمل تهديداً من ضباط المخابرات الصهيونية بضرورة اغتياله في حال قيامه بأية

نشاطات ضد الاحتلال، وبعد عدة شهور قدَّم استقالته من عمله، وتفرغ لمقاومة الاحتلال رافضاً كل المغريات حتى لقي

ربه شهيداً كما أراد.

موعده مع الشهادة:

استشهد المجاهد صلاح شحادة – القائد العام لكتائب عز الدين القسام – الجناح العسكري لحركة “حماس”؛ في وقت

متأخر من مساء الإثنين 22 تموز/ يوليو 2002م بقصف جوي، وذلك بإلقاء قنبلة تزن طناً ألقتها طائرة صهيونية من نوع

“إف 16″على بناية في حي مزدحم بمدينة غزة؛ مما أدى إلى استشهاد 18 فلسطيني بينهم ثمانية أطفال، وقد أمر

باغتياله شارون والجنرال دان حالوتس – قائد سلاح الجو الصهيوني رغم تأكدهم من وجود زوجته إلى جانبه، مما أدى إلى

استشهادها أيضاً مع العديد من المدنيين من الجيران والمارة بالشارع.

زر الذهاب إلى الأعلى