أخبارعلى الطريققصص الشهداء

حياة الشهيد محمد الفقيه (1)

“تاج الورد ”

تعود هديل زوجة الشهيد محمد الفقيه بذاكرتها لأجمل الأيام ، أيام  قضتها مع زوجها محمد الحنون الطيب الأقرب للملائكة من البشر….

كان محمد لايدخل  البيت إلا ومعه هدية لزوجته، إما هدية رمزية مميزة، أو مصاغ ذهبي، أو طعام، لا يترك أي مناسبة إلا ويفرح بهاهديله ..

كان من بين تلك الهدايا المميزة للزوج الرومانسي تاج ورد ألبسه لزوجته وأراد تشجيعها. قائلاً “عقبال تاج حفظ القرآن، هذا  التاج يرمز لكل ذرة محبة لكِ ، أنتِ أميرة بالنسبة لي وإن شاء الله تحفظين القرآن وتلبسين تاج الوقار في الجنة ”

وطوال أحد عشر شهرا من الزواج، احتفظت هديل بكل شيء يخص محمد أو خصها به، من رسائل ورقية وهدايا، وتكمل الحديث.. أخبرني بأنه يخطط للانتقال من بيت في مدينة الخليل إلى نابلس، وأنه يريد أن يفتح مشروعاً له هناك،  أراد أن أبقى بالقرب من عائلتي لأن المسافة بين الخليل وقلقيلة تستغرق ثلاث أو أربع ساعات، أخبرها أيضاً.. “بدي أفتحلك مركز تعليمي تكوني أنت المديرة .. أنا مستحيل أتعامل مع النساء”، وحباً لزوجته  مدرسة الفيزياء أخبرها بأنه سيسمه  “مركز الهديل التعليمي ”

تقول هديل: كان بيت أهلي محافظا ولا أخرج كثيرا، لكن محمد كان يقول لي: بدي أخليك عايشة بالدنيا، فيخرجني دائما ليسر قلبي ”

تزوجا في التاسع والعشرين من آب/ أغسطس 2015م، واستمر زواجهما عشرة شهور إضافة إلى الشهر الذي طارده فيه الجيش الإسرائيلي ، وزوجته حامل بطفل من المقرر ولادته آخر العام الحالي، ستسميه “محمد .

يوم السبت بعد يوم من تنفيذ عملية “عتنائيل” التي حدثت يوم الجمعة في الأول من تموز الماضي، ليحين وقت كشف الحقيقة التي لطالما حاول بطل الحكاية إبعاد هديل عن تفاصيلها ..خاطب محمد زوجته:

خاطب محمد زوجته : “اسمعي يا هديل، بدي تنتبهي على حالك وعلى قرآنك وتضلي مخلصة إلي.. بدي ابني يكون حافظا للقرآن”

لم ينتهِ حديث محمد بعد..(أنا ما اخترتك من فراغ، بعرفك على قدر من المسؤولية، راح تضلك أغلى الناس على قلبي)، في هذه اللحظة شعرت هديل بحدوث أمرٍ جلل مع زوجها، التي لم تستطع حصر صفاته ومواقفه الجميلة، فهو بالنسبة لها ملاك مهذب لطيف يحب الإسلام والقرآن، يتمتع بالحنان والطيبة، لم تعرف منه “عصبية” أو غضبا، كان لطيفاً وصاحب ابتسامة واسعة  ..

انتفاضة الأقصى اشتعلت في قلبه

كان كلامه يعطيها شحنات إيمانية، ويطلب منها أن تحفظ القرآن، ويسمّع لها سورة البقرة، تصفه بقولها: “كل من عرفه أحبه كثيرا، ولا يوجد شخص عرفه إلا ورجع وسأل عنه، لديه 50 شهادة من دورات وسلوك ولكنها لم تعجبه وأراد شهادة رب العالمين”.

وعلى أعتاب تشرين الأول عام 2015، عندما انطلقت شرارة انتفاضة القدس، اشتعلت الانتفاضة ذاتها في قلب محمد، “كان ينهمّ ويغضب عندما يرى شهيدا أو أسيرا ويظل في عالم آخر”، ولكن لم يخطر في بالها للحظة أن يخرج من محمد كل هذا.

في رمضان شعرت بتغيير ملموس فيه، صلاته مكثفة، حتى وصل عند سورة الروم كان يتم حفظها ومراجعتها، وبعد أن يعود من صلاة التراويح الساعة الحادية عشرة مساءً يقيم الليل حتى أذان الفجر..

كانت في كل مرة تدخل عليه وتراه يبكي لشدة الخشوع حتى تشفق عليه .كان الشهيد محمد يقول لزوجته :  ..

أنا يا هديل مقصر في حق ربي. ربنا أعطاني كل شيء وراح أضلني مقصر في حق ربي حتى لو استشهدت ودمي نزل في سبيل الله

كرر محمد هذه الكلمات كثيراً لزوجته، بدأت تشعر بشخصية محمد المقاومة، ذات مرة جلس الاثنان على التلفاز على إحدى القنوات المحلية، تلك القناة عرضت صورا لشهداء، فطلبت منه تغيير المحطة، أرادت إخراج زوجها من همومه، لكنه بهدوئه المعتاد رد عليها .. “لا لا، بدي أشوف “، لفتت انتباهه: “محمد هل انتبهت لمستقبلنا “، التفت إليها :”نتبهي أنتِ قليل

الشهيد ما بينزعل عليه إذا استشهدت بدي أبنيلك قصرا في الجنة، بدي تيجي أميرة لعندي .. الدنيا ما رحمتنا، الظلم واقع علينا يا هديل ”

تنهي هديل حديثها :كنت أدعو له بأن يحميه الله ويعمي عيون اليهود عنه، وأن يبقيه على قيد الحياة، فمن شدة حبي له لم أستطع أن أتمنى له الشهادة .. لكنه تمناها ونالها ..

يُتبع…..

زر الذهاب إلى الأعلى